جواد بلا فارس - Amin Almitwaliy

اخر الأخبار

الخميس، 31 أكتوبر 2019

جواد بلا فارس


كانت تلك المرة الأولى التي يقوم الصبي بأعمال والده, بعد أن أصبح مريضًا طريح الفراش, وقد حل الشتاء، والمطر على الأبواب، ولابد من حرث الأرض, ولم يجد إلا ابنه الوحيد ليعتمد عليه؛ فطلب منه أن يقوم بالعمل نيابة عنه.

قام الصبي في عجلة إلى الإسطبل ليخرج الحصان الجديد الذي اشتراه والده لحرث الأرض, فذهب إلى الجواد، وأمسك بلجامه وشده بقوة ليذهب به إلى العمل.
ولكن الحصان يأبى أن يتحرك، ويحاول مرارًا وتكرارًا أن يحركه فلا يتحرك, حينها وجد سوطًا "أداة يُضرب بها الحصان ليتحرك".
فقرر أن يستخدمه ليجبر الحصان على الحركة, وأخذ يضرب الحصان ليتحرك خارج الإسطبل؛ فتحرك إلى الخارج, فقام الصبي بربط المحراث على الجواد, وأراد أن يأخذ الحصان إلى المزرعة ليعمل, ولكن الحصان رفض أن يتحرك, فأخذ الصبي يضربه بالسوط مرة، ثم الثانية، ثم الثالثة والحصان يرفع صوته ولا يتحرك.

حينها سمع الأب الذي كان يرقد على السرير, فأخذ ينظر من النافذة, ويقول لابنه: ماذا تفعل؟
الولد:- الحصان يرفض العمل.
الأب:- كيف يرفض العمل وهو مخلوق لذلك؟!
الولد:- إنه يرفض أن يتحرك، يأبى التحرك إلى المزرعة.
الأب:- هل سقيته ماءً؟
الولد:- سأسقيه بعد العمل.
الأب:- هل ملأت السيارة بالوقود قبل أن تسير أم بعد أن تتوقف؟
الولد:- الحصان  ليس بسيارة يا أبي, هو كائن حي.
الأب:- ولهذا السبب يا بني عليك أن تعامله بشكل أفضل وأكرم وأحسن مما تتعامل به مع السيارة, اذهب لتسقيه؛ فالجياد تحب أن تشرب قبل أن تعمل.

فقام الولد بفك المحراث، وأخذ يجذب الحصان بقوة شديدة تجاه النهر, فرفض الحصان أن يسير, فأراد أن يضربه بالسوط ليتحرك, فرفع الأب صوته، وقال له: "يا بني ما هكذا تعامل الجياد, أبعد هذا السوط عنك, واسحبه برفق إلى النهر.
 فجرب أن يسحبه برفق  فاستجاب له الحصان؛ فتعجب الولد من فعل الحصان.
عند النهر وجد الصبي الكثير من الناس يسقون الأحصنة الخاصة بهم, وأخذ ينتظر طويلًا حتى يأتي الدور عليه ليسقي الحصان الخاص به, وعندما جاء الدور عليه, وقف الحصان أمام النهر ولم يُخفض رأسه ليشرب, 

فأخذ الصبي يصرخ في الجواد ليشرب، ويصرخ فيه مرة بعد أخرى ليشرب، ولكن دون جدوى, أخذ يحاول بشتى الطرق أن يسقي الحصان، ولكن الحصان لم يتحرك؛ فصرخ فيه الناس لأنهم أيضًا يريدون أن يأخذوا دورهم في السقي.

فقال لهم الولد: الحصان لا يريد أن يشرب وقد تركت السوط في البيت.
فضحك المزارعون منه، وقالوا له: " وهل تسقي جوادك بالسوط ؟؟! فأخدت ضحكاتهم تعلو.
فاغتاظ الولد؛ فقفز في النهر، وأمسك برأس الجواد ليجذبها إلى الماء, ولكن الجواد رفض أن يشرب, فأخذ يجذبه بعنف، ولكن دون جدوى.

فما كان على الصبي إلا أن رجع وانتظر حتى يفرغ الناس من سقي حيواناتهم, وهو جالس ينتظر, وجد رجلًا يداعب ويطعم حصانه، فذهب إليه، وقال له :- هل تعلمني كيف أجعل جوادي يطيعني ويشرب؟
 فقال له:- أتعلم لماذا لا يريد العمل معك؟!
الصبى : لا أعلم.
الرجل :- لأنه غير سعيد ولا يحب العمل معك.
الصبي :- بعد اندهاشه-: وكيف أجعله سعيدًا ويحب العمل معي؟!
الرجل:- إذا كنت تريده أن يحب العمل معك, فأحب العمل معه, وإذا كنت تريده أن ينفذ ما تريد فنفذ له أنت ما يريد, إنهربما تكون أنت المشكلة, فالجواد يتوقع منك أن تقوده, وأنت تتوقع منه أن يقودكا قاعدة "المعاملة بالمثل" التي تنطبق على كل شيء سواء كان حيوانًا أو إنسانًا. 
هل أهم الأشياء لديك هو الأكل والشرب والعمل؟
فابتسم الصبي وقال له-: والدي أهم شيء عندي، وأيضًا صحتي، وكذلك أتمنى أن أكمل تعليمي وأصبح مهندسًا، وكذلك أخاف على مزرعتي، وأخاف أن يسقط المطر قبل أن أقوم بحرثها مع ذلك الحصان.

فقال له الرجل:- أنت لم تذكر الأكل والشرب؛ لأن تلك الأشياء أهم عندك من الأكل والشرب, وكذلك الجواد.
ثم ذهب الرجل وتركه ليذهب إلى حقله.
فأخذ الصبي بمداعبة الحصان، وأخذ يسير معه بمحاذاة النهر يلاعبه، وأخذ يجري ويجعل الجواد يجري معه، وأخذ يلاعبه, وذهب إلى النهر ليسقيه بيده؛ فانحنى يغرف من مياه النهر ويرفعها نحو فم الحصان, فأخذ الحصان يمد رقبته إلى الماء، وأخذ يشرب ويرتوي, ثم انطلق الحصان نشيطًا مفعمًا بالحيوية، وبدأ يطيع الولد في كل شيء.

-  أحيانًا نرى المشكلة من وجهة نظر غير صحيحة, وننظر لها من منظور غير دقيق, فالصبي كان يظن أنه حصان كسلان لا يحب العمل, ولكن الصبي لم يستطع إخراج أفضل ما في الجواد, وهذا ما يحدث في كثير من العلاقات, حين ينظر كل واحد من المنظور الخاص به, ويصدر الحكم على شخص أو قضية, ولكن -للأسف- لم ينظر، ولم يبحث عن كل أبعاد المشكلة ليصدر الحكم الصحيح.
-    أحيانًا نلعن الأيام والظروف والأجواء, ونرفع السبابة لنشير إلى الآخرين، وننسى تلك الأصابع الثلاث التي تشير إليك "لا تظن دائمًا أن المشكلة في الجواد" .
-    كل جواد يحتاج إلى فارس، وبدون الفارس الذي يعرف كيف يتعامل معه يبقى هذا الجواد طاقة مهدرة, فأحيانًا نملك كثيرًا من المهارات والإمكانيات التي تؤهلنا إلى شيء جيد ووضع أحسن، ولكن لا نستغلها لأننا لم نتعلم أو نعِ كيف نستغلها.

-    هناك حقيقة معروفة: هي أن الفارس لا يستطيع أن يقود جواده بالسوط وحده, بل يجب أن يجمع بين الشدة واللين في معاملة ذلك الجواد؛ فالاتزان بين الشدة واللين يجب أن يكون في كل شيء وخاصة في تعاملك مع أولادك.

-     دائمًا ما تعطش الخيول, وكذلك أنت، تحتاج إلى طاقة كى تعمل, تحتاج إلى طاقة قلبية من خلال الصلاة والذكر، والتأمل في الخلق، وأن تقف بين يدي الله في ظلمة الليل, وأن تصوم وتركع, وتسبح وتذكر, تحتاج إلى طاقة عقلك بأن تفتح الكتب وتبحث عما هو جيد، وتنمي مهاراتك وتروي ظمأك من المعلومات والأفكار المفيدة, وتحتاج كذلك إلى طاقة لجسدك بأن تمارس الرياضة، وتخفف من وزنك، وتبتعد عما يضر بصحتك وجسدك.

-  القيادة بعقلية الفرسان؛ فإن أطفالك أو زوجتك، أو عملك يحتاج منك أن تعاملهم بعقلية الفارس, فحين يشعرون بالأمان والثقة والحب, حينها سيطيعون أوامرك، ليس خوفًا من السوط، بل حبًّا لك.
للخيل كرامة وأصالة عرفتها كل الحضارات, فالجواد من أكثر الحيوانات ثباتًا وأقلها انفعالًا, والغريب أن الجواد قد يمتنع عن الطعام والشراب إذا ما أساء صاحبه معاملته. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق